المنجي بوسنينة
262
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
ب « حوادث الزمان » ، لما أتى فيه من معلومات كثيرة عن الحقبة التي عاصرها وعاشها بنفسه ، ولهذا اختار منه الحافظ « الذهبي » ( ت 748 ه ) مجلّدا واختصره . وكان تاريخ ابن الجزري مصدرا أساسا لمعظم المؤرّخين الذين عاصروه أو أتوا بعده ، فاقتبس منه « النويري » ( ت 733 ه ) نصوصا كثيرة ووضعها في كتابه « نهاية الأرب في فنون الأدب » ، كما اعتمد عليه الذهبي في « تاريخ الإسلام » ، وبدر الدين العيني ( ت 855 ه ) في « عقد الجمان » ، وغيره . وهو بدوره ، اعتمد كثيرا على صاحبه المؤرّخ البرزالي ( ت 739 ه ) ، ولكثرة نقله عنه نسب بعضهم كتابه « حوادث الزمان » ، إلى البرزالي . والكتاب في الأساس من 16 مجلّدا ، لم يصلنا منها سوى مجلّدين فقط ، أحدهما يتناول حوادث ووفيات ( 689 - 699 ه ) ، والآخر يتناول حوادث ووفيات ( 725 - 738 ه ) ، وهو القسم الأخير ، والأهمّ ، رغم الحقبة القصيرة التي يتناولها ، إذ كان المؤلّف شاهدا عيانا أمينا على أحداث عصره ، وخاصة فيما يتعلّق بالحوادث اليومية التي رصدها بعين ثاقبة ، وهو مقيم بدمشق ؛ فجاء تاريخه سجلّا حافلا بأخبارها السياسية ، والإدارية ، والاجتماعية ، والعسكرية ، والاقتصادية ، والزراعية ، والعمرانية ، والدينية ، والثقافية . ولا تقلّ معلوماته عن الوقائع في الديار المصرية أهميّة عن معلوماته عن بلاد الشام ، فهو يأتي بأخبار تفرّد بها ، ولا نجدها عند غيره من المؤرّخين المصريين ، حيث كان يتمتّع بشبكة علاقات واسعة مع تجار وأعيان عصره من الرحّالة ، فيحدّثونه عن أحوال البلاد التي يزورونها شرقا وغربا . فلم يحصر تدوينه ضمن نطاق الحدود الجغرافية التي كانت تحت سيادة المماليك : بلاد الشام ، والديار المصرية ، وأراضي الحجاز ، وبلاد اليمن ، بل تعدّى الإطار الجغرافي - على اتّساع رقعته - إلى رحابة التأريخ العالمي - إن جاز التعبير - في مداه الأوسع والمعروف في ذلك العصر ، فتناول أخبار الهند والبنغال ، مسترجعا إلى الذاكرة تاريخ تلك البلاد اعتبارا من سنة 602 ه ، حتى وقت تأريخه للكتاب ، وكتب قطعة عن بلاد الترك ، والتتر في أواسط آسية ، وبلاد الروس ونهر الفولغا ( ويسمّى : أتل ) في أوربة ، وبلاد الحبشة ، إضافة إلى تحرّكات الفرنجة في البحر المتوسط . وأرّخ - في كلّ سنة - للحوادث التي تقع في مكة المكرمة ، والمدينة المنوّرة ، وبلاد الحجاز عموما ، كما أرّخ في بعض السنوات لأخبار العراق ، وبلاد فارس ، وبلاد الأرمن ، وبلاد خوارزم ، في المشرق ؛ ويتناول جملة أخبار في تونس ، والمغرب ، وبلاد التكرور ، والأندلس . وبطبيعة الحال ، فقد كان لأخبار دمشق ووفياتها الحيّز الأكبر من الكتاب لأنها بلده وموطنه ، ويمكن أن نطلق على القسم الأخير منه أنه بمثابة سجلّ يوميّ أو جريدة تكاد تكون يومية لتسجيل وقائع دمشق من حوادث ووفيات . وتتنوّع مادّة الكتاب تنوّعا كبيرا ، فهي تشمل الأخبار والوقائع المتعلّقة بالخليفة العباسي ، وسلطان المماليك ، والأمراء ، والوزراء ، والقضاة ، والنظّار والأئمّة ، والمدرّسين ،